السؤال الثاني:
والآيات الثلاث التي تضمنت الوصايا العشر، حيث ختمت الآية الأولى بقوله تعالى: "ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"، وختمت الآية الثانية بقوله تعالى: "ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"، وختمت الآية الثالثة بقوله تعالى: "ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".
فقال النبي ۖ "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تؤوني وتنصروني وتمنعوني حتى أؤدي حق الله الذي أمرني به، فإن قريشاً قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد"، فقال له مفروق: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ۖ على مسامعهم هذه الآيات الكريمة: "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..." الخ الآيات، فقال له مفروق: وإلام تدعو أيضاً يا أخا قريش، فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كان من كلامهم لعرفناه... فتلا رسول الله ۖ على مسامعهم قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"[12]، فقال له مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك)[13].
هذا جانب من فضائل هذه الآيات الثلاث، وذلك هو تأثيرها في النفوس، وهذه الآيات أيضاً تمثل نموذجاً فريداً في التربية الحكيمة، التي يسعد به المجتمع، ويحي في ظلها الأفراد في أمان واطمئنان، ومن يتأمل في هذه الآيات الكريمات ؛ يراها قد رسمت للإنسان علاقته بربه، علاقة ينال بها السعادة في الدنيا والآخرة، ورسمت له علاقته بأسرته بحيث تقوم على المودة والرحمة، وسدت في وجهه أبواب الشر التي تؤدي إلى انتهاك حرمات الأنفس والأموال والأعراض ؛ لأن الإسلام يهدف إلى إيجاد جيل يدرك رسالته في هذه الحياة، إدراكاً واعياً صحيحاً مستنيراً، ويؤدي هذه الرسالة بقوة وأمانة، يدرك أن لله تعالى عليه حقوقاً فيؤديها بإتقان وإخلاص، ويدرك أن لنفسه عليه حقوقاً فيتعهدها بالتهذيب والمحاسبة والتقويم، ويدرك أن لمجتمعه عليه حقوقاً، فيؤدي هذه الحقوق عن رضا وطواعية واختيار، بأمانة وكفاية ونشاط واستقامة، وبذلك تصل الأمم إلى ما تسعى إليه: من عزة ومنعة، ومن غنى وسعادة وأمن واطمئنان.
ومن مفاخر التربية في الإسلام، اتساع دائرتها، وتنوع مجالاتها، وسمو توجيهاتها، وشمولها لكل جانب من جوانب الحياة الإنسانية. إنّها تتعهد الإنسان، سواء كان ذكراً أم أنثى، بالتقويم والتوجيه، والتسديد والرعاية، والترغيب والترهيب، منذ خروجه إلى الدنيا إلى أن ينتهي منها، وتعمل على تسليحه بالفضائل، وتنفيره من الرذائل.