بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخواني،أخواتي أسأل الله العظيم أن يجمعنا في هذه الدنيا على طاعته وفي الآخرة عنده في جنته بواسع رحمته
أخوتي ما من أحد منا إلا ويزعم حب الله تعالى.. ولكن الشأن ليس أن تحب الإله الكريم المحسن عليك مع عظيم إسرافك وتقصيرك ولكن الشأن أن يحبك الإله الغني وأنت العبد الضعيف الفقير المقصر
وقد ذكر ابن القيم الأسباب العشرة الموجبة لمحبة الله تعالى.. وقد أصدرت دار القاسم كتيب بهذا العنوان وذكرت بعض الزيادات وهو قمة في الروعة لا حرمهم الله أجره وغفر لهم
وها أنا أضعه مع قليل من الاجتهاد بين أيديكم عسى الله العظيم أن ينفعني وإياكم به
في البخاري/ مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجين من المسجد، فلقينا رجلاً عند سدة المسجد فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال رسول الله: (ما أعددت لها؟) قال: فكأن الرجل استكان ثم قال: يا رسول الله ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله. قال: (فأنت مع من أحببت).
قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم : (فأنت مع من أحببت)
وفي مسلم قال انس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم.
وفي مسلم عن عبد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب ولما يلحق بهم ؟ قال رسول الله : «المرء مع من أحب». وفيه تحذير من محبة الكفار وموالاتهم وبشرى لمن يحب الرسول الكريم وأصحابه.
قال ابن القيم رحمة الله عن المحبة : (المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون وإليها شخص العاملون وإلى عملها شمَّر السابقون وعليها تفانى المحبون وبروح نسيمها تروح العابدون وهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون وهي الحياة التي من حرمها فهو في جملة الموات والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه الأسقام واللذة التي من لم يظفر بها فعيشته كله هموم والآم تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة إذا لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب.
فإلى من أراد أن يرقى من منزلة المحب لله إلى منزلة المحبوب من الله نقدم هذه الأسباب العشرة:
السبب الأول: قراءة القرآن بتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به ، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه.
نعم فمن أحب أن يكلمه الله تعالى فليقرأ كتابه، قال الحسن بن على: (إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها بالنهار).
قال ابن الجوزي: ( ينبغي لتالي القرآن العظيم أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه في إيصاله معاني كلامه إلى إفهامهم وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه ويتدبر كلامه).
قال النووي: أول ما يجب على القارئ أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى ولهذا فإن رجلا من أصحاب النبي استجلب محبة الله بتلاوة سورة واحدة وتدبرها ومحبتها هي سورة الإخلاص التي فيها صفة الرحمن جل وعلا فظل يرددها في صلاته فلما سئل عن ذلك قال: (لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها) فقال النبي : (أخبروه أن الله يحبه) البخاري.
وينبغي أن نعلم أن المقصود من القراءة هو التدبر وإن لم يحصل التدبر إلا بترديد الآية فليرددها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.فقد روى أبو ذر رضي الله عنه عن النبي أنه قام ليلة بآية يرددها: (إن تعذبهم فهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) المائدة:188
وقام تميم الداري رضي الله عنه بآية وهي قوله تعالى (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) الجاثية:21
السبب الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض فإنها موصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه وتعالى : (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) البخاري.
وقد بين هذا الحديث صنفان من الناجين الفائزين الصنف الأول: المحب لله مؤد لفرائض الله وقاف عند حدوده. الصنف الثاني : المحبوب من الله متقرب إلى الله بعد الفرائض بالنوافل. {وهذا مقصود ابن القيم رحمه الله بقوله: (فإنها موصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة)}.
يقول ابن رجب الحنبلي: (أولياء الله المقربون قسمان:
ذكر الأول، ثم قال: الثاني: من تقرب إلى الله تعالى بعد أداء الفرائض بالنوافل وهم أهل درجة السابقين المقربين لأنهم تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات بالورع وذلك يوجب للعبد محبة الله كما قال تعالى في الحديث القدسي : (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) فمن أحبه الله رزقه محبته وطاعته والحظوة عنده. والنوافل المتقرب بها إلى الله تعالى أنواع وهي الزيادات على أنواع الفرائض كالصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة.
السبب الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) صحيح ابن ماجه للألباني. وقال الله تعالى: ( فاذكروني أذكركم).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قد سبق المفردون) قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: (الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) مسلم. وقال يبين خسارة من لا يذكر الله : (ما يقعد قوم مقعداً لا يذكرون الله عز وجل ويصلون على النبي إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب) صححه أحمد شاكر في تخريجه للمسند.
وروى البخاري عن أبي موسى رضيَ الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَثلَ الذي يَذكرُ ربَّه والذي لايَذْكرُ ربه مَثلُ الحي والميِّت».
ويقول صلى الله عليه وسلم : (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا من مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة) صحيح سنن أبي داود للألباني.
لذلك لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا فباب نتمسك به جامع فقال: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) صحيح سنن ابن ماجه للألباني.
وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم تلك الوصية وفقهوا معناها الثمين حتى إن أبا الدرداء رضي الله عنه قيل له: (إن رجلاً أعتق مائة نسمة قال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار وأن لا يزال لسان أحدكم رطباً من ذكر الله عز وجل) أحمد.
وكان رضي الله عنه يقول: (الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك).
السبب الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى.
يقول ابن القيم في شرح هذه العبارة: (إيثار رضى الله على رضى غيره وإن عظمت فيه المحن وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطول والبدن).
وقال رحمة الله: (إيثار رضى الله عز وجل على غيره وهو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته ولو أغضب الخلق وهي درجة الإيثار وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه وأعلاها لأولي العزم وأعلاها لنبينا محمد ).
وذا كله لا يكون إلا بثلاثة أمور:1- قهر هوى النفس، 2- مخالفة هوى النفس، 3- مجاهدة الشيطان وأوليائه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يحتاج المسلم إلى أن يخاف الله وينهى النفس عن الهوى ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه بل على أتباعه والعمل به فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها كان نهيه عبادة لله وعملاً صالحاً)
وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
فالمؤمن يسجن نفسه عما تحب ويحرمها من ما تهواه ابتغاء مرضاة ربه وهو يعلم يقينا أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خير منه..
السبب الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وتقلبه في رياض هذه المعرفة فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وافعاله أحبه لا محالة.
قال ابن القيم: (لا يوصف بالمعرفة إلا من كان عالماً بالله وبالطريق الموصل إلى الله وبآفاتها وقواطعها وله حال مع الله تشهد له بالمعرفة. فالعارف هو من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ثم صدق الله في معاملته ثم أخلص له في قصده ونيته).
فمن جحد الصفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان وأتلف شجرة الإحسان فضلا عن أن يكون من أهل العرفان. ومن أول الصفات فكأنما يتهم البيان النبوي للرسالة بالتقصير إذ لا يمكن أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم أهم أبواب الإيمان بحاجة إلى إيضاح وإفصاح من غيره لإظهار المراد المقصود الذي لم تبينه العبادات في النصوص.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن لله تسعاً وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة).